پہلا صفحہ

 

 

 

الوسائل العملية

لإصلاح قسوة القلوب (3)

 

المحاسبة والمعاقبة

 

أ.د.  صلاح سلطان

المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

في مملكة البحرين

www.salahsoltan.com


 

تقديم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد,,,,

فإنني أتقدم بالأصالة عن نفسي ونيابة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بتهنئة قلبية خالصة لبلوغنا هذه العشر من ذي الحجة وعيد الأضحى المبارك، وهي مناسبات تدفع إلى مزيد من التقرب إلى الله والتزلف إليه؛ ليعود كل مسلم صافي القلب سليم الصدر كيوم ولدته أمه، ونهدي بين يدي هذه التهنئة العدد التاسع عشر من "سلسلة قضايا اجتماعية وإسلامية " يقدم لنا فيه المستشار الدكتور صلاح الدين سلطان الجزء الأخير من الوسائل العملية لإصلاح قسوة القلوب، راجين أن تنال هذه الدراسة عناية قرائنا الكرام لعلنا أن نصل إلى شفافية القلب وإصلاح النفس كما قاله سبحانه: } وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ [التغابن : 11].

والله ولي التوفيق...

عبدالله بن خالد آل خليفة

رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

ذو القعدة   1429هـ


 

m

الحمد لله "غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ " (غافر:3)، والصلاة والسلام علي سيد الخلق وحبيب الحق، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الأبرار الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد,,,

فبعد أن طوفنا في الوسائل العملية لإصلاح قسوة القلوب(1، 2) في التخلية بالتوبة والتحلية بالمشارطة والتزام المجاهدة، نأتي إلى الجزء الثالث والأخير لنكمل هذه الوسائل بالمحاسبة للنفس والمعاقبة كخطوات متلازمة لا تغني واحدة عن غيرها، والحق أن الحزم مع النفس محاسبة ومعاقبة هما السبيل لتحويل الآمال إلى حقائق، وقد اقتضى ذلك أن أتعرض لحقيقة كلٍّ وأهميتهما ومدى شرعيتهما، لكني خشيت على نفسي وقرائي أن تتحول المحاسبة إلى النجاة الفردية دون الجماعية بالاهتمام بالشعائر التعبدية، وإهمال المعاملات اليومية مع الأسرة والأقارب والجيران والمجتمع والوطن والأمة والعالم من حولنا وصولاً إلى تحقيق مراد الله تعالى من دينه أن يكون أظهر الأديان، وأمته شاهدة على بني الإنسان، وهذا استدراج من الشيطان أن يحصر السالك إلى ربه في نفسه ليكثر من الأوراد الشخصية ويتنصل من الواجبات العامة فيكون هذا طريق تضليله، وبقاء العالم على انحلاله وظلمه وفساده.

وقد اقتضى هذا أن نتعرض أيضا لدرجات المحاسبة وفقا لمعيار }وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً{ [الواقعة: 7]، حتى يختار كلٌّ لنفسه ما شاء من المنازل والدرجات، كما اضطررت للوقوف أمام صور من الغلو لدى بعض علمائنا الكرام في المعاقبة الحادة بما قد يهلك النفس أو ينهكها خلافا للمقاصد الشرعية من الرفق والاعتدال والوسطية مع هفوات الإنسان مهما كان.

وكان من اللازم ــ كما وعدت في العنوان ـ أن أقدم جدولا عمليا مقترحا سواء في المحاسبة أو المعاقبة، وسطيا بين الغلو في الإفراط أو التفريط، سواء من بعض إخواننا المتصوفة أو المتشددين.

والحق الذي أدعو الله به دائما أن يلهمنا رشدنا لنحول الكلمات إلى حقائق، والآلام إلى آمال وأعمال، والقسوة إلى رحمة ولين وشفافية، والسخط إلى رضا، ولنثق في ربنا أننا إذا أقبلنا عليه؛ فيأبى كرمه وحلمه وفضله أن يرد أمثالنا، فهو سبحانه: } وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ { [البروج : 14- 16]، وهو نعم المولى ونعم النصير.

 

والله ولي التوفيق...

 

أد.صلاح الدين سلطان

       الرفاع  ــ البحرين

       10 ذو القعدة  1429 هـ


 

المطلب الأول: المحاسبة للنفس ضرورة لإصلاح قسوة القلوب

 

أولا: المحاسبة للنفس لغة واصطلاحا:

-   المحاسبة لغة: مصدر من الفعل الماضي حاسب والمضارع يحساب محاسبة وهي من العدِّ، فكل محسوب معدود، قال ابن منظور: "المحاسبة عدُّك الشيء".

-        أما المحاسبة اصطلاحا: فقد بسَّطها بعض علمائنا على النحو التالي:

( 1 )      قال الماوردي في معنى المحاسبة: "أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في الـمستقبل".

( 2 )      وعرفها الحارث المحاسبي بأنها: "التثبّت في جميع الأحوال قبل الفعل، والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة؛ حتى يتبيّن له ما يفعل وما يترك، فإن تبيّن له ما كره الله ــ عز وجل ــ جانـبه بعقد ضمير قلبه، وكفّ جوارحه عمّا كرهه الله ــ عز وجل ــ ومَنَع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه".

( 3 )      أما ابن القيم فقد عرَّفها بقوله: "محاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانياً".

ومع تقارب هذه التعريفات وتميزها وبساطتها، فإنني أحب في إطار أن المحاسبة جزء من منظومة الوسائل العملية في إصلاح قسوة القلوب: من التوبة والمشارطة والمجاهدة والمعاقبة، أختار هذا التعريف: "هي مراجعة النفس فيما تقوم به من أفكار وأقوال وأفعال لحملها على الوفاء بما شارطت به ربها، من التزام الأوامر وترك النواهي وفق شرع الله عز وجل؛ أملا في الوصول إلى صبغة الله في النفس والأسرة والمجتمع والأمة". حيث يبين التعريف وعاء المحاسبة وهي "النفس"، وموضع المحاسبة وهو "الأفكار والأقوال والأفعال"، وارتباط المحاسبة بالمشارطة ومعيارها وهو "الأوامر والنواهي الشرعية"، وهدفها في "الوصول إلى صبغة الله وجوانبها في النفس والأسرة والمجتمع والأمة"، حرصا على ألا تكون المحاسبة انكفاءا على النفس وصولا إلى النجاة الفردية وإن ضاعت أمتنا الإسلامية.

ثانيا: أهمية المحاسبة:

تتضح أهمية المحاسبة في جوانب كثيرة أهمها ما يلي:

( 1 )        المحاسبة فريضة شرعية، لقوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ {[الحشر : 18]، وللوعيد على تركها في قوله تعالى: } اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ{ [الأنبياء : 1].

( 2 )        أن طريق النجاة مرهون بدوام المحاسبة، لقوله تعالى: } فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ { [الحاقة : 19- 22]، كما أن الطريق إلى جهنم يمر عبر انفراط النفس والغفلة عن محاسبتها، لقوله تعالى: } إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلْطَّاغِينَ مَآباً * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاء وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً{ [النبأ : 21- 27] ، وهي نصوص قطعية تؤكد أن محاسبة النفس جد ضرورية للنجاة من النيران والفوز برضا الرحمن وأعالي الجنان.

( 3 )        من أسماء الله الحسنى الحسيب وهي تعني العدَّ أي أنه يحصي كل شيء، ومن صفاته أنه سريع الحساب أي يحصي كل شيء ويحاسبنا عليه، لقوله تعالى: } لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً { [مريم : 94- 95]، وقد خصص لنا ملائكة تحصي كل شيء، كما في قوله سبحانه: }كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ{ [الإنفطار 11-12] ، فإذا كان يوم القيامة نجد هذا الإحصاء الدقيق، لقوله تعالى: }وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً{ [الكهف : 49].

( 4 )        من المعلوم من الواقع بالضرورة أن بيتا أو مؤسسة أو شركة أو دولة لا يمكن أن تسير على هدى دون محاسبة، يعدُّ فيها الدخل وجوانب الإنفاق حتى لا يفاجئ الأزواج أو الشركاء أو المسئولون بخواء جيوبهم، ونفاد كنوزهم، وإفلاس مؤسساتهم. فإن كانت الخسارة في الدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ويمكن الاستدراك وإعادة الإفلاس إلى غنيمة، لكن الاستدراك للشباب إذا فات، والعمر إذا انتهى، والمال إذا انقضى، والعلم إذا نسي، ولا شيء من ذلك يستدرك بعد الموت. ولذا روى ابن ماجه بسنده من حديث أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ t قال: قال رسول الله r: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» (سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، 2/1423). وعليه فلا فلاح ولا نجاح في الدنيا والآخرة ولا علاج لقسوة قلوبنا إلا باستصحاب دائم لمحاسبة النفس.

( 5 )        قال الحسن البصري: "إن العبد لايزال بخير ماكان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".

( 6 )        ذكر ابن القيم في إغاثة اللهفان عن مالك بن دينار أنه قال: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ (أي من الذنوب) ثم زمّها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا".

( 7 )        ذكر الغزالي في الإحياء عن ميمون بن مهران أنه قال: "لا يكون الرجل تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه".

( 8 )         قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: "صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها والاسترسال معها".

ثالثا: موضوع المحاسبة للنفس:

جرت العادة أن يذاكر كل طالب المقرر الذي يوضع له من الوزارة أوالمدرسة أو الجامعة، ويحاسب في الامتحان على قدر فهمه ومتابعة مطالب هذا المقرر بعينه، وعليه فإن موضوع المحاسبة يجب أن يكون وفقاً لما سنحاسب عليه بين يدي خالقنا يوم القيامة، وفي هذا أورد الترمذي أن معاذ بن جبل t قال: أن النبي r قال: "لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" (الترغيب والترهيب للمنذري، 4/298).

وتطبيقا لهذا الحديث أقدم هذا الجدول العملي لموضوع المحاسبة في تصريف الجوانب الأربعة "الشباب، العمر، المال، العلم" في مستويات عدة معلومة من الدين بالضرورة وهي النفس والأسرة والمجتمع والوطن والأمة والعالم؛ وذلك حتى لا تتحول المحاسبة إلى اختزال وتشويه لدين الله تعالى، وسعيا وراء وهم الخلاص الفردي دون الجماعي.

 

جدول عملي لموضوع المحاسبة

 

النفس

الأسرة

المجتمع

الوطن

الأمة

العالم

شبابه فيما أبلاه

- هل نشأت في عبادة الله فصار من عمَّار المساجد.

- هل حفظت القرآن كله أو بعضه؟

- هل أجهدت نفسي في العلم والتعلم والتعليم؟

- هل حافظت على التوازن في شخصيتي بين التزكية والتنمية والتربية الروحية بالعبادة، والخُلقية بالمجاهدة، والعلمية بالتعلم، والجسدية بالتريض؟ أم أحمل خللا وتشوها في شخصيتي؟

- هل أرضيت والديه صغيرا وأعانهم كبيرا؟

- هل أحسنت اختيار زوجته وفقا لما يرضي ربه أم هواه؟

- هل صرت عضوا نشطا أو مبادرا فذا في مؤسسات خدمة المجتمع؟ مثل كفالة الأيتام ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، من الأطفال وكبار السن، والحفاظ على البيئة ماديا ومعنويا، وجميعات المكارم الأخلاقية أم يعتزل هذه كلها منصرفا إلى رغباته وشهواته ونزواته؟

 

- هل أنا مستعد للدفاع عن وطني وحماية أرضه، والدفاع عن كرامته بقدر ما استمتعت بخيراته وترعرعت بين جنباته، أم أبالغ في كسب المغانم منه وأهرب عند المغارم له؟

- هل أسعى لأكون نموذجا صالحا يقتدى، ومثالا رائعا  لشباب أمتي وإسلامي وأُري المسلمين مني ذلة، والمشركين مني قوة وعزة؟ أم إنني نموذج طالح وصورة مخجلة لأمتي وديني، فأدور حول نفسي لا أمتي؟

 

- هل أتعلم اللغات أو استعمل وسائل الاتصالات من الإنترنت والفضائيات كي أصل إلى العالم من حولي برسالتي الإسلامية ولا أكون فتنة للذين كفروا بسلوكيات رديئة وأفعال مشينة تضاعف نفور العالم من الإسلام.

عمره فيما أفناه

- هل زاد علمي وتضاعفت خبرتي مع الأيام فيما يرضي ربي؟ أم تشعبت بي السبل وتفرقت بي الطرق فصرت كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران؟ - هل يتضاعف مع الأيام إحساسي بمسؤوليتي؟

- هل شكرت الرحمن على بلوغي الأربعين؟

 

- هل تعمقت أواصر الحب القلبي، وطرائق التفاهم العقلي، وفنون التناغم الجسدي مع زوجتي؟

- هل أحسنت تربية أولادي وأحفادي ولم أنس حق آبائي وأجدادي وأهلي وأرحامي؟

 

- هل تضاعف عطائي مع طول الأيام وزادت خبرتي في فعل الخير ونفع الغير؟

- هل ساهمت في مشاريع التنمية لوطني والحفاظ على كرامته وهيبته وعزته؟ أم عشت أمتص رحيقه وأتنكر لحقوقه؟

- هل أشارك في العمل السياسي بالإيجابية في النصح والانتخاب ومعاونة المخلصين من المسؤولين والمواطنين وتقويم الخائنين والمنحرفين؟

- هل بادرت أو ساهمت في مشروع علمي أو دعوي أو تربوي أو إعلامي أو سياسي أو جهادي لرفعة أمتي؟ أم تخاذلت عن نصرتها وساهمت في تشويه سمعتها؟

 

- هل ساهمت في صناعة السلام العالمي ومقاومة الأخطبوب الثلاثي (الفقر، الجهل، المرض) ونصرة المظلومين بصرف النظر عن أديانهم وأعراقهم، وتعاونت مع كل من يسعى لعمارة الأرض ورعاية الخلق؟

ماله فيما اكتسبه وفيما أنفقه

- هل جمعت مالي من الحلال الصافي، متجنبا الربا والسرقة والاختلاس والغش والغرر والاحتكار والاحتيال؟

- هل دققت في صرف المال فيما يرضي ربي سواء في مصارف الزكاة أو وجوه البر؟

- هل أكلتُ التراث أكلاً لماً أم عدلت فيه كما أمر ربي؟

- هل قمت بواجبي في الإنفاق على أبي وأمي وزوجتي وأولادي وأهلي وأرحامي؟ وبذلت لهم الفرض والفضل قبل أن يسألوني؟ أم بخلت بالدينار والدرهم ولم أبذله إلا بعد توسل وعناء؟

- هل أسعى لبناء مشاريع تساهم في زيادة الإنتاج لا الاستهلاك وتعالج البطالة وتشيع الفضيلة وتكفل الفقراء والأيتام والمرضى والزمنى؟ أم أقيم المشروعات التي قد تدر لي أرباحا مهما كان ضررها على مجتمعي؟

- هل أعطي الفقير والمسكين وأحض على إطعامه كما أمر ربي؟ أم أعطي القليل تاركا هؤلاء المحتاجين يشكون إلى الله بخل الأغنياء على مستوى الأمة؟

- هل أؤدي حق وطني في التكاليف المادية وأساهم في خطة التنمية الاقتصادية؟

- هل أساهم بالمال عند حدوث الكوارث في بلدي؟

- هل أتعاون مع أبناء أمتي في توسيع المشاريع الإسلامية والمعاملات غير الربوية، وإنتاج السلع الضرورية وتشجيع المنتجات الوطنية والمحلية، وتوسيع التعامل التجاري بين أبناء أمتنا الإسلامية، وإقامة سوق إسلامية مشتركة تغني أمتي عن الذلة والتوسل لغيرها؟

- هل أجاهد ألا أكون تِرساً في عجلة النظام التربوي العالمي؟ وتقديم نموذج اقتصادي إسلامي يغري بتطبيقه لتقليل الهوة بين الأغنياء والفقراء، لتكون الأموال دُولة بين الناس جميعا لا حكرا على بعضهم.

علمه ماذا عمل فيه

- هل تعلمت العلم لله؟ وبذلت قصارى جهدي لأكون صاحب علم دقيق وعمل يغنيني عن ذل السؤال؟

- هل تعلمت من أصول ديني ما يجعلني أحسن عبادة ربي أم أنِستُ الجهل وألِفتُ الكسل البدني والعقلي؟

- هل بذلت جهدي ومالي ووقتي من أجل تعليم زوجتي وأولادي ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، أم صرفت كل ذلك لعلوم الدنيا دون الآخرة؟

- هل ساهمت في محو الأمية في مجتمعي وعلَّمت مما علمني الله قومي وعشيرتي.

- هل وظفت ما علمني الله على أرض وطني أو خارجه في رقيه ورفعته؟ أم جعلته حكراً على مصلحتي؟

- هل تعلمت عن تاريخ أمتي وإمكاناتها وطرائق توظيفها لتكون أمة رائدة لا راكدة، منتجة لا مستهلكة؟ أم جهلت تاريخ وأحوال أمتي وأساليب الارتقاء بها؟

- هل تعلمت دقة الاتباع للوحي، وجودة الإبداع فيما لا نص فيه، لنفيد عموم الناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم ونحررهم بالعلم من العبودية لغير الله تعالى.

 

 

رابعا: درجات المحاسبة للنفس:

لا يوجد أحد لا يحاسب نفسه لكن السؤال ما هي درجات هذه المحاسبة؟ فأصحاب الشمال يحاسبون أنفسهم: كيف غفل أحدهم عن هذه الفرصة العظيمة من التخفيضات أو الحفلات أو المسرحيات أو الأفلام أو السهرات؟!، كيف لم يتقرب أكثر من غيره إلى مديره أو مسئوله أو إلى كبار القوم فصار غيره أقرب منه ولم ينل مثل ما نال منهم؟!

يحاسب الشاب نفسه كيف غفلت عن هذه الفتاة حتى خطفها صديقي، أو قريبها أو جارها أو زميلها؟! وقد تحاسب الفتاة نفسها كيف لم استعمل الحيل العديدة كي يقع فلان في شباكي قبل أن يقع في شباك غيري؟!. وقد يحاسب الإنسان نفسه كيف لم يعاقب ابنه أو ابنته أو زوجته أو عاملا لديه حتى اجترأوا عليه؟! وقد يحاسب اللص نفسه لماذا فاتته فرصة كان يمكن أن  يسرق فيها مالاً أكثر لو أحكم خطته حول فريسته أو رتب حيلة أكبر ليخون صاحب عمله؟! وقد يحاسب المرتشي نفسه عندما يرى فريسته تقدم له ما افترضه عليه لماذا لم يطلب مالا أكثر؟! وقد يحاسب الفاجر نفسه كيف فاتته هذه السهرات الحمراء، والحفلات الماجنة في ليالي الميلاد أو الأعراس أو غيرها؟! وقد يحاسب حاكم نفسه أنه فتح طاقة من الحريات أو ترك نافذة لنقد الذات أو أطلق سراح بعض المعتقلين أو المعتقلات أو كان ردعه أقل مما يجب للمعارضين وأصحاب الدعوات!.

ومن عجائب النفس أنها تتردد بين إقبال وإدبار، وعزيمة وهزيمة، وكر وفر، فعلى حين تحاسب نفسها على المكارم التي تدخل في صفات المقربين فقد تزل قدم بعد ثبوتها فتفعل ما يفعله أصحاب الشمال في نقطة ضعف لدى الإنسان، وقد يعود في كثير من الأمور ليكون من أصحاب اليمين؛ ومن ثمَّ تلزم المتابعة الدقيقة والمجاهدة الوثيقة والمحاسبة الدائمة حتى يحمل الإنسان نفسه على ما شارط به ربه فيختم له بأفضل ما يحب أن يلقاه به يوم القيامة.

وفيما يلي أقدم صورة ميدانية عن المحاسبة للنفس في درجاتها الثلاث أصحاب الشمال واليمين والمقربين، وهو ما قرَّرَته سورة الواقعة في قوله تعالى: } وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ { [الواقعة : 7- 11] ، وهو ما يعنيه علماء القلوب في قولهم: "حسنات الأبرار سيئات المقربين".

 

 

 

 

 

جدول درجات المحاسبة للنفس

أصحاب الشمال

أصحاب اليمين

المقربون

الصلاة:

ينهض من النوم وفقا لساعات عمله.

ينهض من النوم لصلاة الفجر.

ينهض قبل الفجر للقيام في السحر.

يسمع الأذان تلو الأذان فلا ينهض للصلاة.

يحاسب نفسه عن تأخير الصلاة عن أول أو فوات وقتها.

يحاسب نفسه عن فوات الصف الأول في الجماعة.

لا يحاسب نفسه على الفريضة ولا النافلة.

يحاسب نفسه على الفريضة دون النافلة.

يحساب نفسه على الفريضة والنافلة والخشوع فيهما.

الزكاة:

لا يحاسب نفسه على أداء الزكاة مهما كثر ماله.

يحساب نفسه على زكاة المال فقط.

يحساب نفسه أنه لم يبذل الفرض والفضل، وهل أنفق أحسن ما يحب لله تعالى؟

طلب العلم:

- لا يحاسب نفسه على فوات حلق العلم أو مجالس الذكر.

-لا يحاسب نفسه على كتمان العلم.

- يحساب نفسه على فوات أو التأخر عن حلق العلم أو مجالس الذكر.

- يحاسب نفسه أنه لم يعلِّم من سعى لطلب العلم منه.

- يحساب نفسه على فوات الصفوف الأولى ومزاحمة العلماء ومصاحبة العابدين الربانيين.

- يحاسب نفسه أنه لم يسعَ لتعليم غيره.

الصوم:

لا يحاسب نفسه على فوات صيام رمضان.

يحساب نفسه على تقصيره في العبادات في شهر رمضان.

يحاسب نفسه على فوات صيام النوافل مثل الاثنين والخميس وعرفة، والأيام البيض، ....

الحج:

لا يحساب نفسه عن غفلته عن الحج عاما بعد عام مع امتلاكه الزاد والراحلة.

يحاسب نفسه على تأخير الحج عن وقت شبابه .

يحساب نفسه على فوات بعض الفضائل والسنن والنوافل أثناء حجه.

عند البلاء:

لا يحاسب نفسه على الجزع عند البلاء.

يحساب نفسه أنه أخَّر الشكر عند أول ورود النعمة الأولى، أو الصبر عند الصدمة الأولى.

يحساب نفسه أنه لم يشكر عند البلاء، ولم يصبر عند العطاء.

تدبر القرآن:

لا يحاسب نفسه أنه يهجر القرآن ، ولا يعاتب نفسه أنه لا يحسن التلاوة وإن تعلم اللغات.

يحاسب نفسه على فوات أو قلة ورده من القرآن، وعلى عدم إكماله دروس التجويد.

يحاسب نفسه على التدبر والتأثر والتغير بكل آية من آيات القرآن، ويعاتب نفسه هل هو من المهرة في القرآن أم لا؟

التجارة:

لا يحاسب نفسه على الغش في البيوع والمعاملات.

يحساب نفسه هل أنقصَ أحدأ حقه في بيع أو شراء أو دين.

يحساب نفسه هل كان سمحا إذا باع أو اشترى أو اقتضى.

حقوق الأهل والأرحام والجيران والأصدقاء:

- لا يحاسب نفسه على عقوق الوالدين وقطيعة الأقارب والأرحام، وإيذاء الأصدقاء والجيران.

-لا يحساب نفسه على إضاعته حقوق زوجه وأولاده وانصرافه إلى لهوه ومتاعه.

- يحاسب نفسه على حقوق الوالدين والأقارب والأرحام والأصدقاء والجيران.

- يحساب نفسه على بذل الفرض وإعطاء الحق لزوجه وولده.

- يحاسب نفسه على البر والإحسان والإنعام للوالدين والأقارب والأرحام والأصدقاء والجيران.

- يحاسب نفسه على بذل الفضل وحسن العشرة والمعاهدة والتزكية لأهله وأولاده.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لا يحساب نفسه على سلبيته أمام المنكر إذا ارتكب، والمعروف إذا ترك، والحرمات إذا انتهكت؛ فصار من جمهور المتفرجين أو العابثين.

يحاسب نفسه أنه لم يأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، أو ينهى عن المنكر إذا ظهر فعله، وهل كان من المشاركين إذا انتهكت الحرمات.

يحاسب نفسه أن لم يسعَ لوقاية مجتمعه من المنكر قبل وقوعه، ونشر المعروف قبل التراجع في فعله، وهل كان من أوائل المبادرين للدفاع عن الحرمات.

حقوق المجتمع والوطن والأمة:

لا يحاسب نفسه على عدم اكتراثه بنهضة بلده وإعزاز أمته.

لا يحاسب نفسه أن قراراته تدور حول مصلحته، وإن أضر بغيره وبوطنه وأمته.

يحاسب نفسه على ما يجري حوله من مآس لوطنه وأمته.

يحاسب نفسه أنه لم يوازن بين حقوقه وحقوق غيره ومجتمعه ووطنه وأمته.

يحاسب نفسه أنه لم يبذل أقصى جهده وماله ووقته في إعمار بلده ورفعة دينه وإعزاز أمته.

يحاسب نفسه أنه لم يضح التضحية الكافية من أجل غيره ومجتمعه ووطنه وأمته وعالمه.

 

خامسا: مراحل المحاسبة للنفس:

إذا كان الإمام الغزالي وغيره ممن كتبوا كتابات رائعة عن المحاسبة، قد تحدثوا عن نوعين فقط من المحاسبة قبل العمل وبعده، فيبدو لي والله أعلم أن المحاسبة لها ثلاثة مراحل: قبل وأثناء وبعد العمل.

 

المرحلة الأولى: المحاسبة قبل العمل:

إذا كان كل تاجر لا يقدم على شراء شيء قبل أن يراجع السيولة المتوفرة لديه، فإن العبد المقبل على ربه لا يبدأ عملاً حتى  يجيب إجابات حاسمة على هذه الأسئلة:

1. هل أقوم بهذا العمل ابتغاء وجه الله أم رياء وسمعة؟، لقوله تعالى:} وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء{[البينة : 5]، وقال الحسن البصري: "رحم الله عبدا وقف عند همه "أي بالعمل"، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر".

2. هل ما سأقوم به لغو في الأفكار أو الأقوال أو الأفعال؟ أم هو أمر جدٌّ فيه خير لي ولغيري؟ لقوله تعالى: } قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ { [المؤمنون : 1- 3]، وقوله تعالى: } وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ{[القصص : 55].

3. هل فيما أقوم به ضرر لي في دنياي وآخرتي أو لأسرتي أو لمجتمعي أو لوطني أو لأمتي وعالمي؟ ما رواه البيهقي بسنده عن يحي الـمازنِـيِّ أَنَّ رسولَ اللَّه r قالَ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ» (السنن الكبرى للبيهقي،كتاب إحياء الموات، باب من قضى فيما بين الناس بما فيه صلاحهم، 9/123).

4.  هل هذا العمل له أولوية على غيره أم أن هناك أولويات يجب أن أبدأ بها؟ عملا بهدي النبي r عندما أرسل معاذا t إلى اليمن دلَّه على أولويات وخطوات دعوة أهلها، يبدو ذلك في الحديث الذي رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"  (صحيح البخاري ، كتاب الزكاة ، باب وجوب الزكاة وقول الله وأقيموا الصلاة ـ ـ).

5. هل هذا العمل يدخل ضمن طاقاتي وقدراتي وإمكاناتي؟ روى الترمذي بسنده عن حُذَيْفَةَ t قال ،: قال رسولُ الله r: «لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قالوا: وكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قال: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لا يُطِيقُ» (سنن الترمذي، كتاب الفتن، 6/447)، فعليه ألا يتهيأ للحج مقترضا من غيره، ولا يتحمل إدارة عمل لا يستطيعه، وألا يقبل مزيدا من المسؤوليات إذا لم يجد له طاقة نفسية أو فسحة وقتية. ولما همَّ بعض الأصحاب أن يصوموا كل يوم ولا يفطروا، وأن يقوموا كل ليلة ولا يفتروا، وأن يعتزلوا النساء فلا يتزوجوا، فَيروي البخاري بسنده عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه غْضَبُ حتى يُعْرَفَ الغَضَبُ في وَجْهِهِ ثمَّ قال: «إِنَّ أَتْقاكُمْ وَأَعْلَمَكمْ باللّهِ أَنا»  (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي r أنا أعلمكم بالله، 1/99)

المرحلة الثانية: المحاسبة أثناء العمل:

مما يعلم من الواقع بضرورة أن تاجرا لا ينفق من المال ما شاء أثناء البيع والشراء دون أن يراجع مدخولاته ومصروفاته، فأعمال المحاسبين في الشركات لا تنتظر إلى نهاية السنة المالية، ثم تعالج المفاجآت، بل الحكمة تقتضي أن تكون المحاسبة والمراجعة يومية مع كل عمل يؤثِّر سلبا أو إيجابا على سير الشركة أو المؤسسة، وأهم جوانب المحاسبة أثناء العمل ما يلي:

    ( 1 )    هل تستمر النية في العمل خالصة لله أم طرأ عليها ما يفسدها أو يعكر صفوها، فقد ينوي الإنسان العمل مخلصا، ويوسوس له الشيطان أن يطيل التعبد إذا وجد شخصا يرجو الحظوة لديه؛ فيبالغ في العمل ويداخله الرياء وإن كان قد بدأه مخلصا، والأكثر حدوثا أن يمتدح الإنسان أثناء العمل فيستملحه وينتظر الزيادة منه ويستثقل النصح والتوجيه من غيره فيفسد عمله. وليس أصعب على نفس عاملة من أن تلقى نارا حامية، لما صح يقينا أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: عالِم علّم الناس ليقال عالِم، ومجاهد قاتل ليقال شجاع، ورجل كثير المال أنفق ليقال جواد. هل أقوم بهذا العمل متبعا للهدي النبوي أم مبتدعا؟ لما جاء في قوله تعالى: } فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً{ [الكهف : 110] ، وروى مسلم بسنده عن عَائِشَة أَنَّ رَسُولَ اللّهِ r قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، 12/14).

    ( 2 )    هل أؤدي العمل بإتقان؟ ما أورده الهيثمي أن النبي r قال: «إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» (مجمع الزوائد، كتاب البيوع، باب نصح الأجير وإتقان العمل، 4/175)، والإتقان في الوضوء إسباغه على المكاره، وفي الصلاة الخشوع فيها رغم الشواغل، وفي الزكاة بذل أطيب المال في أحسن المصارف، وفي الصيام صوم الجوارح وانشغال القلب والعقل واللسان بالقرآن والقيام والذكر والدعاء، وفي الحج تعظيم لشعائر الله فإنها من تقوى القلوب، وفي التعلم التركيز بالعقل والإجهاد بالنفس، وفي الدعوة حسن الإعداد وجودة العرض، وفي مجال الوظيفة تحري الدقة واختيار أحسن الوسائل لتحقيق أفضل الأهداف مع تعاون وثيق مع الأصدقاء في المؤسسات، وبذل الخدمات بقلب يحب أن يرى الابتسامات على وجوه الناس.

    ( 3 )    الحرص على إتمام العمل حتى يبلغ منتهاه، حيث نجد بعض الناس يبدأ العمل بغاية الإتقان ثم يقطعه في أدنى ملابسة دون إتمام، كمن بنى بيتا أنيقا مكتمل الأركان مفعم البنيان، فيه من السعة والزينة ما يدهش أي إنسان، لكنه تخلَّى عن إدخال المياه والكهرباء إلى هذا البنيان فهل يستطيع أن يعيش فيه زوجان أم يجب التمام حتى يصلح بيتا للألفة والسعادة والأمان؟!

المرحلة الثالثة: المحاسبة بعد العمل:

قال الغزالي في الإحياء (4/405): "إعلم أن العبد كما يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم، حرصا منهم على الدنيا وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلا أياماً قلائل، فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان".

ويمكن أن تكون جوانب المراجعة بعد العمل فيما يلي:

    ( 1 )    مراجعة النفس في مدى الوصول إلى المقاصد الشرعية من الأقوال والأفعال الخيرية في النظر على أثر العمل على قلبه خاصة، وعلى من حوله عامة: هل يشعر بحلاوة حب الله في قلبه؟ وبأثر زيارته لأخ له في الله على زيادة إيمانه؟ هل يشعر فعلا أن صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر؟ وأن الزكاة توقي الإنسان شح نفسه؟ عسى أن يكون من المفلحين، وأن الصوم جعله قادرا أن يتحكم في شهواته وأن يخضع هواه لهدي نبيه؟ وهل أورث الحجاب عفة وحياء؟ والجهاد عزة وغناء؟ والعلم خشية ونقاء؟ وهل أورثت الدعوة نورا وهداية للناس؟ وهل أغنت الزكاة والصدقات فقراءنا وأطفأت لهيب الجوع لدى المساكين وخففت آلام المرضى والزمنى والمنكوبين؟ وهل أثمر الزواج حبا وتفاهما وتناغما؟ وهل أثمرت تربية الأولاد جيلا يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟ وهل أثمرت الشركات والسياسات قضاء على البطالة وإنهاء للذلة والمهانة في أن نأكل مما لا نزرع وأن نلبس مما لا نصنع، إلى آخر هذه الأسئلة العميقة التي تتعامل مع كل عمل هل حقق مقصده كما يريد الله أم كان شكلاً بلا مضمون ومبنى بلا معنى؟.

    ( 2 )    هل احتفظ بالعمل بعد الانتهاء منه خالصا لله؟ دون تطوع بالمن والأذى أو الدخول في منٍ اضطراري عندما يسئ إلينا من أحسنَّا إليه فنقع في شباك الشيطان الذي لا يدع الإنسان بعد تمام عمله، وإخلاصه وإتقانه من أي يسوق إليه من يسيء إليه ممن ناله البر والإحسان فيبادر الإنسان إلى هذا المنِّ الاضطراري ليفسد كل ما قام به.

    ( 3 )    يسأل الإنسان نفسه هل من طريقة أفضل لأداء الأعمال التي قمت بها؟ هل زادت خبرتي لأداء أفضل في المستقبل؟ هل يمكنني أن أنتقل من ممارسة العمل إلى تذوقه؟ ومن حب العطاء إلى عطاء الحب؟ ومن درجات أصحاب اليمين إلى المقربين؟ ليظل الإنسان يرتقي في مدارج السالكين إلى رب العالمين.

 

سادسا: أوقات المحاسبة للنفس:

مما لا شك فيه أن أفضل أوقات المحاسبة كما ذكرتُ من قبل: قبل وأثناء وبعد كل عمل مباشرة، وتلكم منازل الصديقين المقربين الذين يخشون أن يلقوا الله في أي وقت وحين، فيراجعون أنفسهم بشكل دائمٍ تزكية واستعدادا للقاء الله تعالى، لكنا هنا نعرض أوقات المحاسبة لعموم المسلمين ممن يرجى أن يكونوا من أصحاب اليمين بإذن رب العالمين مع رجاء أن نرجع إلى ما كتبناه عن المشارطة وما أوردناه في الجدول المقترح للمحاسبة لكي نسقط هذه المشارطات على الأيام والليالي والأسابيع والشهور والأعوام والأعمار.

1. كل ليلة:

قبل أن تنام تذكر مافعلته من الخير والشر، واحمد الله تعالى على ما اختصك به من فعل الخير، واستغفر الله من أي شر، مع العزم على زيادة الخير وترك الشر.

2. في كل أسبوع:

اجعل لنفسك وقتا كل أسبوع مع سؤالين:

 ماذا قدمت من خير لنفسي ولأسرتي ولمجتمعي ولأمتي وللعالم من حولي؟

 ماذا اقترفت من ذنوب في حق نفسي أو أسرتي أو جيراني أو ....؟

3. كل شهر:

كل شهر تسأل عما شارطت على نفسك أن تترك من الشر أو تفعل من الخير، وهل قلبك أقرب إلى الله أم أبعد عنه؟!

4. كل عام (شهر رمضان):

نسأل أنفسنا عن الإنجازات التي حققناها خلال العام الماضي:

أ- على المستوى الفردي.                                  ب- على مستوى أسرتي.

ج- على مستوى المجتمع الذي أعيش فيه.             د- على مستوى الأمة.

هـ- على مستوى العالم حولي.

5. كل فترة من العمر:

خاصة بعد بلوغ الأربعين، لقوله تعالى: } حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ { [الأحقاف : 15].

6. بعد كل حادثة أو طارئ أو بلاء:

حيث كان يقول أحد الصالحين: "إني أرى أثر معصيتي في نشوز زوجتي وتعثر دابتي". فالبلاء تذكرة وعبرة لكل ذي قلب، فهو إما رفعاً للدرجات أو مغفرة للسيئات، قال تعالى: }وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ{ [الشورى : 30].

7. بعد ظهور الشيب في الرأس أو اللحية:

لأن الله تعالى يستحي من كل ذي شيبة، والله تعالى يقول:} أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ{ [فاطر : 37]. وقد أورد القرطبي أن ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفراء والطبري يرون أن النذير في الآية هو الشيب.

وفيما يلي جدول "برنامج عملي مقترح للمحاسبة.. يوميا وإسبوعيا" يساعد من أراد بحق أن يعالج قسوة قلبه وأن يغذ السير إلى ربه وأن يستدرك على نفسه قبل انتهاء أجله، وأقترح وأقترح على كل أخ أو أخت أن يطبع من الجدول نسخ عديدة تكون في المكتب وغرفة النوم والسيارة لتذكِّرنا بمراجعة أنفسنا أولاً بأول قبل أن نقع في المحظور الذي بدأ الله به سورة الأنيباء: }اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ{ [الأنبياء : 1] .

 

برنامج عملي مقترح لمحاسبة النفس.. يوميا وأسبوعيا

 

م

الــعـمــل

العمل في يوم

ملاحظات

السبت

الأحد

الاثنين

الثلاثاء

الأربعاء

الخميس

الجمعة

1

هل أدركت تكبيرة الإحرام في جميع الفروض ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

2

هل صليت السنن الرواتب ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

3

هل صليت القيام والوتر ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

4

هل صليت الضحى ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

5

هل بكَّرت في الذهاب لصلاة الجمعة ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

6

هل قرأت جزءًا من القرآن ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

7

هل تصدقت بنسبة من دخلك؟

 

 

 

 

 

 

 

 

8

هل بررت والديك؟

 

 

 

 

 

 

 

 

9

هل وصلت رحمك؟

 

 

 

 

 

 

 

 

10

هل أحسنت إلى جيرانك ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

11

هل صمت الاثنين والخميس؟

 

 

 

 

 

 

 

 

12

هل حفظت لسانك من ( الغيبة-النميمة-... الخ)؟

 

 

 

 

 

 

 

 

13

هل حفظت فرجك من المحرمات ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

14

هل تركت معصية لوجه الله ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

15

هل كظمت غيظك؟

 

 

 

 

 

 

 

 

16

هل أنت محافظ على أذكار الصباح والمساء؟

 

 

 

 

 

 

 

 

17

هل تفكرت في مخلوقات الله ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

18

هل زرت مريضاً؟

 

 

 

 

 

 

 

 

19

هل دمعت عيناك خشية لله؟

 

 

 

 

 

 

 

 

20

هل تابعت أخبار إخوانك في فلسطين، والعراق..؟

 

 

 

 

 

 

 

 

21

هل دعوت للمسلمين في صلاتك ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

22

هل تعلمت اليوم علما نافعا؟

 

 

 

 

 

 

 

 

23

هل شاركت في مؤسسات خدمة المجتمع؟

 

 

 

 

 

 

 

 

24

هل بادرت إلى كفالة الفقراء والأيتام؟

 

 

 

 

 

 

 

 

25

هل شغلت وقت فراغك بأعمال البر والخير؟

 

 

 

 

 

 

 

 

26

هل مارست الرياضة البدنية؟

 

 

 

 

 

 

 

 

27

هل تتألم لآلام المسلمين ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

28

هل أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

29

هل قضيت حاجة لأحد من الناس ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

30

هل أكثرت من ذكر الله وشكره ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

31

هل أكثرت من الاستغفار ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

32

هل أكثرت من الصلاة على النبي r ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

33

هل حاسبت نفسك قبل النوم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

المطلب الثاني : المعاقبة للنفس ضرورة لإصلاح قسوة القلوب

أولا: تعريف المعاقبة للنفس:

-   المعاقبة لغة: مصدر من الفعل عاقب، وأصل المعاقبة أن يخلف شخصٌ آخر في دابة أو غيرها، قال ابن منظور المصري: "والعِقابُ والـمُعاقَبة أَن تَجْزي الرجلَ بما فَعل سُوءًا؛ والاسمُ

العُقُوبة، وعاقَبه بذنبه مُعاقَبة وعِقَاباً: أَخَذَه به، وتَعَقَّبْتُ الرجلَ إِذا أَخَذْتَه بذَنْبٍ كان منه".

-   المعاقبة للنفس اصطلاحا: أن يفرض المسلم على نفسه فعل شيء من القربات أو الحرمان من شيء من المباحات لتفريطها في حق الله أو العباد، حتى  يسلس قيادها وتلتزم الوفاء بعهودها.

 

ثانيا: أهمية وشرعية المعاقبة للنفس:

إذا أحسن العبد التوبة والأوبة إلى الله وشارط ربه على البدء في السير إليه والإقبال عليه والتزلف منه بعبادات محددة فجاهد نفسه في تحقيقها، وحاسب نفسه عن مدى الوفاء بها، فإن الإنسان لن يخلو من هفوة أو كبوة (لكل حصان كبوة)، فتزل قدم بعد ثبوتها، وبما أن الإنسان ينسى فقد ينسى عهده مع الله أو مع الناس، فنحن أبناء آدم؛ وقد قال الله تعالى عنه: } وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى{ [طه : 121]، وقال تعالى: } وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً{[طه : 115]، وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس t قال: قال رسول الله r: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، فَخَيْرُ الخطَّائينَ التَّوَّابُونَ....» (مسند الإمام أحمد، مسند أنس بن مالك t، 4/53)، فإذا كان كل إنسان ــ  غير الرسل ــ ليس معصوما من الخطأ فإن هناك ضرورة ملحة لردع هذه النفس بعقوبة زاجرة تكفكف غلواءها وتنشط ذاكرتها لكي تعود إلى ما شارطت به ربها، ومن الأدلة الشرعية على منهجية المعاقبة لتأديب النفس وتقويمها ما يلي:

    ( 1 )    ما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع في قصة تخلفهم عن غزوة تبوك، وقد عاقبهم النبي r بعدم السماح لأحد أن يكلمهم حتى زوجاتهم، ثم أنزل الله توبتهم فقال كعب: "وإن من توبتي أن أنخلع من مالي كله". فقد عوقبوا فيما يحبون وهو مخالطة الصالحين، والإفضاء إلى زوجاتهم، ولم يرَ كعبٌ ذلك كافيا رغم طوله وشدته على نفسه، بل رأى أن من توبته أن ينخلع مما شغله عن ربه وهو كل ماله لولا أن رسول الله راجعه في التصدق به كله.

    ( 2 )    ما روي عن عمر بن الخطاب t أنه شغل عن صلاة العصر حتى دخل وقت المغرب بالعمل في حائط له (مزرعة) فتصدق به كله.

    ( 3 )    ما روي من حديث أبي طلحة لما اشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه فتصدق بالحائط كفارة لذلك وهو ذات المنهج الذي فعله كعب، وعمر رضي الله عنهما وهو يدل أنه ليس حالة فردية، بل ظاهرة تربوية.

    ( 4 )    وسجود السهو هو عبارة عن ترغيم للشيطان أي إغاظة له بالتعويض عن نسيان مندوب في الصلاة بعمل شيء أبى الشيطان أن يفعله، وهو السجود لله تعالى، ويزيد في أجره عن النافلة التي نسيها المصلي. وهي منهجية تخفف عن المسلم كثيرا من نزغات الشيطان، وتعين النفس على قلة النسيان. وهي عقوبة للنفس بعمل من جنس الصلاة نفسها، وهي تشير إلى صحة المنهجية.

    ( 5 )    روى البخاري ومسلم بسندهما عن سعيد بن جبير وابن عباس رضي الله عنهما أن أبي بن كعب سمع من رسول الله r أن سيدنا موسى u قام خطيبا في بني إسرائيل فسُئل أي الناس أعلم؟! فقال: "أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه..."، فكان الأمر الرباني أن يسير طويلا حتى يلقى الخضر ويتعلم منه ويصبر على التعلم منه.

    ( 6 )    ذكر القرطبي في سبب نزول قوله تعالى: } وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ { [الكهف : 23- 24]، قول العلماء: عاتب الله تعالى نبيه r على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين: غدا أخبركم. ولم يستثنِ في ذلك، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرجة".

وقد أخرتُ قصَتيْ سيدنا موسى u مع الخضرu، وسيدنا رسول الله r مع قومه عندما نسي أن يقول: إن شاء الله، أخرتها لسبب واحد وهو خوف الإيهام أنهما أخطآ، بل نسيا وتركا الأولى، وهو ما لا يليق بمقام النبوة فكانت العقوبة الربانية على ترك الأولى بهذه الرحلة الشاقة على سيدنا موسي u. وكان الدرس أقوى مع الحبيب r لسمو منزلته عند ربه فتأخر الوحي وتلبث ملياً، وشمت فيه الأعداء وسخروا منه وظل الأمر كذلك خمسة عشر يوما حتى نزل الوحي يخبره أن هذا بسبب نسيان نسبة المشيئة إلى الله تعالى. 

 

 

ثالثا: الاعتدال في معاقبة النفس :

أورد الماوردي في أدب الدنيا والدين، والغزالي في الإحياء بعضا من القصص في باب معاقبة النساك والزهاد أنفسهم وقد رأيت فيها من المبالغة الشديدة مما يوجب عليَّ  رد ذلك إلى الاعتدال في المعاقبة لأن بعض المتصوفة والمتشددين قد يقومون بشيء من ذلك، وهذه بعض الروايات :

    ( 1 )    "أن رجلا من العباد كلَّم امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها فوضع يده في النار حتى احترقت".

    ( 2 )    "كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته فمكث بذلك زمنا طويلا فأشرف ذات يوم فإذا هو بامرأة ففتن بها، وهمَّ بها فأخرج رجله لينزل إليها فأدركه الله وذكَّره، فقال: ما هذا الذي أريد أن أصنع، ورجعت إليه نفسه وجاءته العصمة فندم، فلما أراد أن يعيد رجله في الصومعة قال: هيهات هيهات رِجل خرجت تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي، لا يكون ذلك والله أبدا، فتركها والله معلقة من الصومعة تصبها الأمطار و الرياح والشمس والثلج حتى تقطعت فسقطت فشكر الله له ذلك فأنزل في بعض الكتب قصته".

    ( 3 )    "عن هارون بن رباب أن غزوان وأبا موسى كانا في بعض مغازيهم فتكشفت جارية فنظر إليها غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت وقال: إنك للحَّاظة لما يضرك".

    ( 4 )    "عن محمد بن عبد الله بن محمد قال: مر حيان بن أبي سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه ؟ ثم أقبل على نفسه فقال : تسألين عما لا يعنيك؟! لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها".

    ( 5 )    "عن منكدر بن محمد عن أبيه أن تميما الداري نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى أصبح فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع".

    ( 6 )    "عن جرير عن طلق بن معاوية قال : قدم رجل منا يقال له هند بن عوف من سفر فمهدت له امرأته فراشا وكانت له ساعة من الليل يقومها فنام عنها حتى أصبح فحلف أن لا ينام على فراش أبدا".

    ( 7 )    "عن البحتري بن حارثة قال: دخلتُ على عابد مرة فإذا بين يديه نار قد أججها، وهو يعاتب نفسه فلم يزل يعاتبها حتى مات".

    ( 8 )    "ويحكى عن الجنيد قال: سمعت ابن الكريبي يقول: أصابتني ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا فحدثتني نفسي بالتأخير حتى أصبح وأسخن الماء أو أدخل الحمام ولا أعنى على نفسي فقلت: واعجبا أنا أعامل الله كذلك فلا أجدُّ في المسارعة وأجدُّ الوقوف والتأخر!! آليت أن لا أغتسل إلا في مرقعتي هذه، وآليت أن لا أنزعها ولا أعصرها ولا أجففها في الشمس".

هذه أمثلة من المبالغات التي تخالف القواعد الشرعية المبنية على الوسطية واليسر والرفق بالإنسان ومراعاة حالات ضعفه فليس من الجائز شرعا أو المقبول عقلا أن يقوم رجل بشوي يده لأنه وضعها على جسم امرأة، ولايعلق رجله في الشمس والثلج والرياح أياما حتى تنفصل عنه إلا مجنون، أو مغلوب على عقله يحتاج من يأخذه للعلاج من العته، وهل ظل طوال المدة لا يصلي حتى انفصلت رجله؟! وكل هذا لأنه بدأ خطوة واحدة لم تكتمل نحو امرأة لا تحل له؟!! إن هذا لشيء عجاب. وأعجب منه من فقأ عينه لأنها نظرت إلى امرأة، ومن يؤجج النار بجواره ويظل يعاتب نفسه حتى يموت، و ربما لو صح لكان منتحرا آثما أو كفورا. وكذا من سأل عما لايعنيه يعاقب نفسه على فعل المكروه بستة أضعاف كفارة من قتل نفسا خطأ. ومن نام عن قيام ليلة فحرم النوم على الفراش سنة أو طول عمره، يرتكب جرما أكثر بأن يُحرِّم ما أحل الله له، ومن يقبل أن يظل لبسه على جسده لا ينزعه للتنظيف إلا بعيد عن فهم جمال الإسلام ورونقه!.

 

ولعل في الروايات التالية ما يرد المنصف إلى وسطية ورفق الإسلام بالإنسان مراعاة لضعفه:

    ( 1 )             قوله تعالى: }وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً{ [النساء : 29].

    ( 2 )     ورد في سبب نزول قوله تعالى: } وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ{ [هود : 114]، وأورد الطبري في تفسيره أن رجلاً أصاب من امرأة شيئا لا أدري ما بلغ، غير أنه ما دون الزنا. فأتـى النبـي r، فذكر ذلك له، فنزلت: }أقِم الصَّلاةَ طَرَفِـي النَّهارِ وَزُلَفـا مِنَ اللَّـيْـلِ إنَّ الـحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات{ فقال الرجل: ألـي هذه يا رسول الله؟ قال: «لِـمَن أخَذَ بِها مِن أُمَّتِـي، أوْ لِـمَنْ عَمِلَ بِها» (تفسير الطبري، سورة هود، آية 114، جزء 12، ص 76).

    ( 3 )     روى البيهقي بسنده عن  عبد الله بن عمرو بن العاص أن  رسولِ الله r قالَ: «إنَّ هذَا الدينَ مَتِـيْنٌ فأوْغِلْ فـيه بِرِفْقٍ، ولا تُبَغِّضْ إلـى نَفْسِكَ عبادَةَ رَبِّكَ، فإنَّ الـمُنْبَتَّ لا سفراً قَطَعَ ولا ظَهْراً أَبْقَـى» (سنن الكبرى للبيهقي، جماع أبواب صلاة التطوع وقيام، باب القصد في العبادة والجهد في المداومة، 4/105) .

    ( 4 )     أورد صاحب اللؤلؤ والمرجان من حديث أَنَسٍ t، أَنَّ النَّبِيَّ r رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ (يسندانه)، قَالَ: «مَا بَالُ هذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ؛ قَالَ: إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ» (اللؤلؤ والمرجان، محمد فؤاد عبدالباقي، كتاب النذر، باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة، 1/509، أخرجه البخاري في: 28 كتاب جزاء الصيد: 27 باب من نذر المشي إلى الكعبة).

    ( 5 )     روى البيهقي بسنده عن حمزة بن عمرو الأسلمي: « أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث رجلا فقال: إن أصبت فلانا أو فلانا فأحرقوه بالنار ، فلما ولى دعاه فقال: إنه لا يعذب بالنار إلا ربها» (سنن البيهقي الكبرى، كتاب السير، ‏باب المنع من احراق المشركين بالنار بعد الإسار، حديث رقم: 18572).

    ( 6 )     ما رواه البخاري بسنده عن أنسِ بنِ مالكٍ t قال «دَخَلَ النبيُّ r فإذا حَبلٌ مَمدودٌ بينَ الساريتَينِ، فقال: «ما هذا الحبلُ؟» قالوا: هذا حبلٌ لزينبَ، فإذا فَتَرَتْ تَعلَّقَتْ. فقال النبيُّ r: «لا، حُلُّوهُ، ليُصلِّ أحدُكم نشاطَهُ، فإذا فترَ فلْيَقعُدْ» (صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، 3/347).

 

هذه النصوص في مجموعها تحرم على العبد أن يقسو على نفسه قسوة مهلكة أو قريبة من التهلكة، مهما كانت ذنوبه، وما عليه إلا أن يخلص التوبة ويحسن العودة إلى الله تعالى وأن يعاقب نفسه عقوبة زاجرة رادعة إن أنس منها إنفلاتا، فتكون المعاقبة بغرض التأديب والتزكية والتربية لا بغرض إلقاء النفس في التهلكة.

 

رابعا: وسائل عملية لمعاقبة النفس:

أفضل معاقبة أن تحرم نفسك مما تحب من المباح حتى يسلس قيادها أو أن تلزم نفسك عبادة أو صدقة تردع بها نفسك، ولذا تصدق عمر t بالمزرعة التي شغلته عن صلاة العصر، وتصدق كعب بن مالك t بماله الذي شغله عن الغزو، والمطلوب هو التصدق بجزء وليس به كله.

ومن الأهمية بمكان أن نستصحب هنا منهجية ترغيم الشيطان في سجدة السهو مرتين، حيث نعوض ما أنسانا الشيطان من نوافل الصلوات بعبادة أكثر قربة إلى الله تعالى مما فاته. وتلكم منهجية لو كان الإنسان فيها حازماً مع نفسه لسلس قيادها.

ولعل من وسائل المعاقبة المقترحة في الجدول التالي ما يروي الغليل ويشفي العليل دون خروج عن منهج الاعتدال:

 

 

أنواع التقصير / الذنوب

وسيلة عملية لمعاقبة النفس

1.     

النوم عن صلاة الفجر في المسجد:

تقليل طعام الفطور أو تركه، أو يصوم اليوم كله.

2.     

تأخير الصلاة عن وقتها:

تأخير الطعام مع الجوع أو الشرب مع العطش لوقت يساوي وقت تأخير الصلاة.

3.     

الغفلة عن أذكار الصباح أو المساء:

قراءتها مضاعفة عند تذكرها + مائة مرة استغفار.

4.     

الغفلة عن الورد القرآني:

مضاعفته في اليوم التالي + مائة تسبيحة.

5.     

نسيان صلاة الوتر في الليل:

صلاته ولو بعد ضحى اليوم التالي ومضاعفة صلاة الضحى.

6.     

نسيان صلاة الضحى:

صلاة أربع ركعات قبل وبعد الظهر، وأربعا قبل العصر (صلاة نوافل).

7.     

كثرة الانشغال في الصلاة:

إطالة السجود خاصة في النوافل مع عزم ألا يرفع رأسه حتى يبكي خوفا من مقام ربنا، مع كثرة ذنوبنا وتقصيرنا.

8.     

الغيبة، النميمة، سوء الظن، الإساءة لأحد:

كسر النفس بالاتصال بهم والاعتذار لهم قبل أن يأتي أحدنا مفلسا يوم القيامة، والحد الأدنى أن نستغفر الله لهم أو لكل واحد منهم باسمه مائة مرة.

9.     

التقصير في حق الأبوين أو الأهل أو الأقارب والأرحام والجيران:

البدء بالاعتذار، تقديم هدية من أحسن ما نحب، زيادة الزيارات.

10.                       

التقصير في طلب العلم سواء في مدرسة أو جامعة أو حلقات شيوخ العلم:

العزم على تقليل وقت النوم بالسهر ساعة كل يوم قراءة في كتاب أو متابعة لبرنامج علمي.

11.                       

الرسوب في مادة أو التقصير في الحصول على مستوى مناسب:

تقليل الطعام والنوم+ زيادة السهر للمذاكرة+الحزم في تقليل التواصل مع الأصدقاء تلفونيا أو على الإنترنت أو اللقاءات المباشرة حتى يحصل التوازن+ أن يعزم على الاغتسال بماء شبه بارد إذا داهمه النوم قبل أداء واجباته العلمية.

12.                       

مقاطعة الأصدقاء أثناء الكلام:

الصمت نصف ساعة مع التدبر في الكون+ مضاعفة هذا الوقت إذا عاد الإنسان إلى مقاطعة غيره.

13.                       

القيادة بسرعة زائدة:

يتصدق بنصف قيمة المخالفة لو ضبطته الشرطة، وأن يحرم نفسه من طعام يحبه يوما أو يومين أو أكثر حسب زيادة السرعة.

14.                       

النظر إلى ما حرم الله:

يلزم عينه البكاء من خشية الله في سجداته وخلواته + إطالة النظر في الكتاب المسطور (القرآن) والكون المنظور+ التصدق بشئ يحبه حباً جماَ.

15.                       

الدخول على صفحات أو قنوات إباحية على الإنترنت أو التلفاز:

الانقطاع بكل ما أمكن عن الجهازين فترة بافتراض أن الإنسان مريض بالمستشفى، نقل التلفاز أو الكمبيوتر إلى غرف المعيشة ولا يستعملهما إلا إذا كان حوله أحد + التصدق لجمعيات البر والعفة وتزويج الشباب بمبلغ مؤثر حسب قدراته المادية+ صوم 3 أيام متوالية ردعا للنفس عن شهواتها.

16.                       

ضياع الأوقات:

الجلوس ساعة قبل الشروق أو الغروب بين الأذكار والاستغفار ثم تكثيف الجداول اليومية بين أعمال تعبدية ورياضية وعلمية وخدمية + زيارات في الله + عيادة المرضى+ مساعدة المحتاجين.

 

   

 

ولتكن وصية عمر بن الخطاب t نصب أعيننا حيث قال: "إذا ألممت بسيئة، فأتبعها بحسنة، فإني لم أر شيئا أسرع إدراكاً لشيء من حسنة حديثة لذنب قديم".

ولعل هذا الفهم العمري الرباني أخذا من قوله تعالى: }وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ{ [هود : 114] ، وروى الأمام أحمد بسنده عن معاذ t أن رسول الله r قال له: «يا معاذ، اتبع السيئة بالحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (مسند الإمام أحمد، حديث معاذ بن جبل r، ج6، ص300).


 

الخلاصة

 

    ( 1 )    المحاسبة هي: مراجعة النفس فيما تقوم به من أفكار وأقوال وأفعال لحملها على الوفاء بما شارطت به ربها من التزام الأوامر وترك النواهي وفق شرع الله عز وجل أملا في الوصول إلى صبغة الله في النفس والأسرة والمجتمع والأمة.

    ( 2 )    المحاسبة للنفس فريضة شرعية وضرورة واقعية كما تؤكد النصوص القطعية، والحياة العملية أنه لا نجاة ولا فلاح ولا نجاح في الدنيا أو الآخرة بغير المحاسبة.

    ( 3 )    موضوع المحاسبة في جوانب أربعة كما جاء في الحديث: فترة الشباب، والعمر كله، والمال كسبا وإنفاقا، والعلم وارتباطه بالعمل، غير أن الإنسان حتى لا يخدع في المحاسبة يجب أن يراجع نفسه هل وظَّف هذه الجوانب الأربعة في إصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه وأمته وعالمه من حوله ليكون الفلاح فرديا وجماعيا أم لا؟.

    ( 4 )    للمحاسبة درجات، فمحاسبة أصحاب الشمال أنفسهم إن وجدت فعلى ما فاته من اللذات، أما أصحاب اليمين فيحاسبون أنفسهم على الواجبات، لكن المقربين يحاسبون على فوات بعض المكرُمات على منهج "حسنات الأبرار سيئات المقربين".

    ( 5 )    هناك 3 مراحل للمحاسبة قبل العمل وأثناءه وبعده: قبل العمل للتأكد من الإخلاص، وأنه ليس لغواً ولا يحدث ضرراً ويدخل ضمن طاقات الإنسان وأولوياته فيما يصلحه في الدنيا والآخرة، أما أثناء العمل فتأكداً من سلامة النية وحسن الاتباع وجودة الإتقان والوصول إلى التمام، أما بعد العمل فللتأكد من الوصول إلى المقاصد الشرعية وتقويم الأداء لتطويره إن تكرر، ثم التأكد من عدم المن بعد العمل.

    ( 6 )    يحاسب المقربون أنفسهم قبل وأثناء وبعد كل عمل مباشرة، والحد الأدنى لأصحاب اليمين أن تكون هناك محاسبة للنفس كل ليلة وأسبوع وشهر وعام وبعد بلوغ الأربعين وبعد كل حادثة وبعد ظهور الشيب.

    ( 7 )    المعاقبة هي: أن يفرض المسلم على نفسه فعل شيء من القربات، أو الحرمان من شيء من المباحات لتفريطها في حق الله أو العباد ،حتى يسلس قيادها وتلتزم الوفاء بعهودها.

    ( 8 )    من صور المعاقبة على ترك الأولى قصة سيدنا موسى u والخضر لما نسي نسبة العلم إلى الله، وتأخر الوحي على رسول الله r لما نسي نسبة المشيئة إليه، وما فعله كعب بن مالك وعمر بن الخطاب وأبو طلحة رضي الله عنهم من عقوبات لأنفسهم عند تقصيرهم في بعض الواجبات.

    ( 9 )    أورد بعض علماء القلوب عقوبات تخرج عن الاعتدال والمقصود من معاقبة النفس لا إهلاكها، مما يوجب الالتزام بالوسطية والاعتدال في معاقبة النفس وفقا للنصوص الشرعية الصحيحة.

    ( 10 )    هناك أمثلة عملية مقترحة في معاقبة النفس عند ارتكاب الذنوب أو التقصير في الواجبات، ولكل إنسان أن يختار العقوبة الرادعة للنفس عند انفلاتها حتى يلزمها اتباع المنهج الرباني.


 

N

تقديم.

المقدمة.

المطلب الأول: المحاسبة للنفس ضرورة لإصلاح قسوة القلوب.

أولا: المحاسبة لغة واصطلاحا.

ثانيا: أهمية المحاسبة.

ثالثا: موضوع المحاسبة.

رابعا: درجات المحاسبة:

خامسا: مراحل المحاسبة.

المرحلة الأولى: المحاسبة قبل العمل.

المرحلة الثانية: المحاسبة أثناء العمل.

المرحلة الثالثة: المحاسبة بعد العمل.

سادسا: أوقات المحاسبة.

المطلب الثاني : المعاقبة للنفس ضرورة لإصلاح قسوة القلوب.

أولا: تعريف المعاقبة.

ثانيا: أهمية وشرعية المعاقبة للنفس.

ثالثا: الاعتدال في المعاقبة.

رابعا: وسائل عملية لمعاقبة النفس.

الخلاصة.

المحتوى.


 

كلمة الغلاف:

 

هذا الكتاب يقدم تأصيلا شرعيا وأسلوبا عمليا في محاسبة النفس ومعاقبتها كوسائل ناجعة لعلاج قسوة القلوب ببيان حقيقتهما وشرعيتهما ووسائلهما، مع تفصيل في موضوع المحاسبة ودرجاتها ومراحلها وأوقاتها، وتفصيل آخر في الاعتدال في المعاقبة لتأديب النفس دون إنهاكها، أملاً في الوصول إلى صبغة الله ونيل رضاه.

 

پہلا صفحہ